أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
398
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1620 - - . . . * يقول لا غائب مالي ولا حرم « 1 » وهو قول نحويّ سيبيّ ، يعني منسوب لسيبويه ، فكأنه قال : « أينما كنتم » ، وفعل الشرط إذا كان ماضيا لفظا جاز في جوابه المضارع الرفع والجزم كقول زهير : وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول . . . « 2 » وفي رفعه الوجهان المذكوران عن سيبويه والمبرد . وردّ عليه الشيخ « 3 » بأن العطف على التوهم لا ينقاس ، ولأنّ قوله يؤدّي إلى حذف جواب الشرط ، ولا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا ، لو قلت : « أنت ظالم إن تفعل » لم يجز . وهذا - كما رأيت - مضارع . وفي هذا الردّ نظر لا يخفى . وَلَوْ كُنْتُمْ قالوا : هي بمعنى « إن » وجوابها محذوف أي : لأدرككم . وذكر الزمخشري فيه قولا غريبا من عند نفسه فقال : « ويجوز أن يتصل بقوله « وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا » أي : لا تنقصون شيئا ممّا كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها ، ثم ابتدأ بقوله : « يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » ، والوقف على هذا الوجه على « أَيْنَما تَكُونُوا » . انتهى . وردّ عليه الشيخ « 4 » فقال : « هذا تخريج ليس بمستقيم لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية : أمّا من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متصلا بقوله : « وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا » لأنّ انتفاء الظلم ظاهرا إنما هو في الآخرة لقوله : « قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى » . وأما من حيث الصناعة النحوية فإنّ ظاهر كلامه يدلّ على أن « أَيْنَما تَكُونُوا » متعلق بقوله : « وَلا تُظْلَمُونَ » بمعنى ما فسّره ، وهذا لا يجوز لأن أسماء الشرط لها صدر الكلام ، فلا يتقدّم عاملها . عليها ، فإن ورد مثل : « اضرب زيدا متى جاء » قدّر له عامل يدلّ عليه « اضرب » لا نفس « اضرب » المتقدم . فإن قيل : فكذلك يقدّر الزمخشري عاملا يدلّ عليه « وَلا تُظْلَمُونَ » تقديره : « أينما تكونوا فلا تظلمون » فحذف « فلا تظلمون » لدلالة ما قبله عليه ، فيخلص من الإشكال المذكور . قيل : لا يمكن ذلك لأنه حينئذ يحذف جواب الشرط وفعل الشرط مضارع ، وقد تقدم أنه لا يكون إلا ماضيا » وفي هذا الردّ نظر ، لأنه أراد تفسير المعنى . قوله : « ولا يناسب أن يكون متصلا بقوله : « وَلا تُظْلَمُونَ » ممنوع ، بل هو مناسب ، وقد أوضحه الزمخشري بما تقدّم أحسن إيضاح . والجملة الامتناعية في محلّ نصب على الحال أي : أينما تكونوا من الأمكنة يدرككم الموت ، ولو كانت حالكم أنكم في هذ . البروج فيفهم أن إدراكه لهم في غيرها بطريق الأولى والأحرى ، وقريب منه : « أعطوا السائل ولو على فرس » . والجملة الشرطية تحتمل وجهين : أحدهما : أنها لا محلّ لها من الإعراب لأنها استئناف إخبار ، أخبر تعالى أنه لا يفوت الموت أحد ومنه قول زهير :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 299 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 300 ) .